السيد هاشم البحراني

590

البرهان في تفسير القرآن

أغنى واحدا ووضعه ، ثم ليس لهذا الغني أن يقول : هلا أضيف إلى يساري جمال فلان ، ولا للجميل أن يقول : هلا أضيف إلى جمالي مال فلان ، ولا للشريف أن يقول : هلا أضيف إلى شرفي مال فلان ، ولا للوضيع أن يقول : هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان ، ولكن الحكم لله يقسم كيف « 1 » يشاء ويفعل كيف يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله ، وذلك قوله تعالى : وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * قال الله تعالى : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) * يا محمد نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا « 2 » ، فأحوجنا بعضا إلى بعض وأحوجنا هذا إلى مال ذاك ، وأحوجنا ذاك إلى سلعة هذا أو إلى خدمته ، فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب : إما سلعة معه ليست معه ، وإما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك إلا أن يستعين به ، وإما باب من المعلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير ، وهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته ، ثم ليس للملك أن يقول : هلا اجتمع إلى ملكي ، ومالي علمه ورأيه ؟ ولا لذلك الفقير أن يقول : هلا أجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني ؟ ثم قال : ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا « 3 » ثم قال : يا محمد ، قل لهم : ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ « 4 » يجمع هؤلاء من أموال الدنيا . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : وأما قولك : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، إلى آخر ما قلته ، فإنك اقترحت على محمد رسول الله أشياء : منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ، ورسول الله يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ، ويحتج عليهم بما لا حجة فيه ومنها ما لو جاءك به لكان معه هلاكك ، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الإيمان لا ليهلكوا بها ، فإنما اقترحت هلاكك ، ورب العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون ، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ، ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ، ويقطع معاذيرك ، ويضيق عليك سبيل مخالفتك ، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان ، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه . وأما قولك ، يا عبد الله : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة ، فإنها ذات حجارة وصخور وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها تجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون ، فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله تعالى - يا عبد الله - أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا ؟ أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين ، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها ؟ قال : بلى ، قال : فهل لك في

--> ( 1 ) في « س » والمصدر : كما . ( 2 ) الزخرف 43 : 32 . ( 3 ) الزخرف 43 : 32 . ( 4 ) الزخرف 43 : 32 .